الحسيمة عروس المتوسط " صفحات من الماضي"
لعبت الاستراتيجية العسكرية للدول الاستعمارية في كثير من الأحيان دورا كبيرا في ميلاد و نشأة مدن و حواضر على امتداد القارات الخمس بعد عمليات كان الغرض منها تحصين مواقع و حاميات تمهد لتوغل و سيطرة تامة، ذهب ضحيتها الالاف من أصحاب الأرض دفاعا عن غرباء أبوا إلا أن ينالوا مبتغاهم بالقوة.لكن مناطق عديدة استهدفتها الحملات العسكرية فتحولت مع مرور الزمن إلى حواضر و نواة سكانية قامت على أنقاض ساحات القتال أو حاميات عسكرية كانت بالأمس مركز قوة و تفوق فأضحت مدنا بكل المقاييس المتعارف عليها و قبلة تجارية أو سياحية و إدارية داخل فضاء شاسع.
موقع استراتيجي و عسكري إبان العشرينات
على غرار عدة مدن تقع بمحاذاة البحر لم تكن مدينة الحسيمة قبل 84 سنة سوى مرافق عسكرية و مخيمات لأفواج و تجريدات الجيش الاسباني المنتشر بين خليج كيمادو و الميناء حاليا و باقي الأراضي المنبسطة الواقعة في الجهة الشرقية من المدينة ، لقد حاولت إسبانيا توظيف ما أمكن من المؤهلات الطبيعية و المواقع الاستراتيجية لإنشاء قاعدة عسكرية و تحصين تواجدها مدعومة بأحدث العتاد الحربي و الاليات و ووسائل اللوجيستيك ضمانا لنجاح مخططاتها التوسعية بالريف وتمهيدا لكل عمليات التموين و الانزال العسكريين على اعتبار المكان يعتبر الأنسب و الأقرب إلى منطقة شكلت فزاعة و كابوسا شغل بال الإدارة الاسبانية مادام أن الأمر يتعلق ب "أجدير" مركز المقاومة الريفية بقيادة الأمير المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي.
نهجت إسبانيا أساليب مختلفة من أجل الوصول إلى الأهداف الواردة في أجندتها العسكرية، فلم تكتفي بتركيز جهودها على ساحات القتال و مطاردة أفواج المقاومة الريفية بعد معركة أنوال بل رافق ذلك حملات داخل التراب الاسباني ترمي إلى تشجيع التجار و الشركات على الاستثمار شمال المغرب انطلاقا من المواقع التي تعتبرها محصنة و مؤمنة إلى حد كبير. فقد توافد على الحسيمة التي كان يسمونها "بييا" أعداد من التجار و المقاولين العاملين في قطاعات ترتبط أساسا بتقديم خدمات للجيش من توفير مواد التموين الأساسية و تقديم وجبات في المطاعم وهي أنشطة ساهمت بشكل كبير في ترسيخ تواجد مدنيين إسبان وجدوا في الأرباح التي يجنونها بالريف غايتهم و بديلا اقتصاديا عن مهن و أعمال لم تكن تضمن لهم عائدات مهمة و مغرية رغم الأخطار التي كانت تحدق بهم من كل ناحية و صوب والتي منطلقها تهديدات المقاومة. و نتيجة لذلك التحقت بالحسيمة أو أو "مونتي مالموسي" أو "فيلا سان خورخو" أسماء عديدة لمسمى واحد، يد عاملة من أبناء المنطقة غايتهم في ذلك الحصول على مورد رزق في فترة كانت عصيبة و اتسمت بقسوة جفاف و تنكيل المستعمر أينما طالت يده.
تطور دور المدينة من العسكري إلى التجاري
اختيار إسبانيا لموقع الحسيمة بني على أساس تقديرات و دراسة ميدانية لمهندسين و خبراء أكدوا أن مستوى الارتفاع عن البحر و انفتاح المجال الطبيعي للحسيمة على جهات مختلفة ميزة قوية تساعد على عمليات المراقبة برا و بحرا كما أنها نقطة وسط بين شرق الريف و غربه بالإضافة إلى قربها من جزر منتشرة على مرمى حجر من اليابسة ظلت مصدر إزعاج للإدارة الاسبانية فكان لابد من تمركز دائم و تتبع مستمر للحالة العامة للمنطقة انطلاقا من هناك، ومن الأمور التي ساهمت في ارتفاع الكثافة السكانية بالمدينة سنوات الثلاثينات و الأربعينات تنامي نشاط التهريب عبر جزيرة "النكور" و صخرة "باديس" باعتبارهما محطة أساسية و فضاء للوبيات إسبانية جعلت من الجزيرتين نافذة لكي يتعرف أهل الريف على منتجات إسبانية و مواد رأت فيها إسبانيا وسيلة تساعد على انسلاخ أهل المنطقة عن تقاليدهم و عاداتهم و منتجاتهم و الإقبال بشغف على غيرها من ما يستقدم من أوربا و إسبانيا بالأساس،و بالتالي اختراق المجتمع الريفي بليونة لمحو أفكار التعصب للأرض و مطالبة المستعمر بالرحيل، وبينما تشير مصادر إلى دور انصهار الثقافتين الاسبانية و المغربية بالشمال في نشأة حاضرة الحسيمة تتحدث أخرى إلى أن القرى المحيطة بها و البوادي القريبة اجتاحها مرض حمى المستنقعات خاصة بأجدير التي كانت أهم مركز للسكان وملتقى كل قبائل المنطقة لاسيما بني ورياغل مما أسهم في حملة نزوح بأعداد كبيرة نحو موقع المدينة الحالي. .
لم تكن االحسيمة في بداية العشرينات سوى أكواخ و مباني تقليدية بطابعها الريفي المعروف معدودة على رؤوس الأصابع موزعة بين تلال و منحدرات تضم إسبان بنسبة عالية جلهم موظفون لدى الادارة العسكرية أو مكلفون بمهام تتعلق بتدبير أمور المرحلة التي تميزت آنذاك بنهاية حرب الريف و عدد قليل من أهالي المنطقة بالإضافة إلى يهود يزاولون التجارة و يمتلكون مرافق للترفيه و التسلية للجنود المتمركزين بالحاميات والمنشئات العسكرية، كما انتشر باعة و تجار الأثواب و الذهب و الفضة والمشروبات الكحولية التي كانت تروج على نطاق واسع في صفوف الجندية و المستوطنين كوسيلة لنسيان أيم شاقة و عصيبة فرضتها تداعيات حرب الريف و المقاومة التي ظلت صورتها ملتصقة في أذهان الاسبان رغم تراجع قوتها بعد قبول الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي الهدنة وعدم سفك الماء.
ومن ضمن التجار الذين ارتبط إسمهم بالفترة الاستعمارية و ميلاد الحسيمة "رافييل ألفاريز" أحد أبرز مالكي المشاريع بالريف و الذي تأثر بكواليس العسكر و السياسة حتى أصبح عمدة لمليلية إبان الأربعينات، منصب رأت فيه إسبانيا عنصر استقطاب لرساميل و مستثمرين مادام أن توجهاتها الإستعمارية هي خطوة لاستغلال المنطقة اقتصاديا و دعم الخزينة المركزية.
ميلاد المدينة بمقاييس و تصاميم هندسية
وبغية وضع الأسس الأولى لمدينة الحسيمة وظفت إسبانيا خبرة مهندسيها وخبراءها في المناجم و القناطر و الموانئ أمثال "فيرال أليخاندرو" الذي ساهم في وضع التصاميم الأولى للمجال الحضري للحسيمة سنة 1930 ساعده في ذلك فريق ضم كذلك "ديخايمي غارسيا" و "كارلوس لاماس". لتبدء أوجه التمدن تظهر بصفة تدريجية من خلال بناء العديد من المرافق الإدارية و هندسة الشوارع مع بناء فنادق تأوي مسؤولين و تجار وكذلك الساحات و السوق ليصل عدد الشوارع المصممة إلى 30 شارع و قرابة 500 بناية على مساحة 5000 متر مربع مع متم سنة 1930 موازاة مع تنامي العمران شهدت المدينة توافد متسارعا للسكان الذين وصل عددهم إلى 4000 شخص قدموا من مدن بجنوب إسبانيا و من بوادي الريف و ضواحي الحسيمة.
من خلال نظرة عامة على المدينة يتضح وجه الاختلاف بين أرجاءها من حيث العمران وهو ما يحيل إلى أن الحسيمة في الثلاثينات كانت تقطنها فئات مختلفة تنتمي إلى طبقات مجتمعية متفاوتة. إذ أن البنايات الكولونيالية و موقع مراكز إدارية و فضاءات عامة هي من نصيب فئة التجار و العسكريين و المسؤولين و الموظفين، فيما الأماكن الأخرى والتي بنيت فيها لعقود من الزمن أكواخ و منازل من الطين هي لعمال أوراش البناء أو البحارة على متن قوارب بسيطة. بينما يضم جزء آخر من المدينة أو ما سمي بحي الريفيين مرافق كالقيسارية و الحمام و فندق يعتبر الفضاء المميز لأهالي المنطقة للتسوق أو قضاء حاجياتهم.
الخريطة و التوزيع السكاني بالحسيمة
مرحلة التمدن سارت وفق الأهداف التي رسمتها إسبانيا حيث تقاطرت على المدينة أفواج من ساكنة مدن جنوب إسبانيا كألميرية و مالقة و غرناطة و قاديس جلهم من الشرائح الاجتماعية البسيطة وجدوا في الحسيمة آنذاك بديلا يوفر يوم عمل من جهة و ملاذا آمنا يقيهم شر الحروب و الاقتتال التي طبعت مرحلة الثلاثينات،أما المرافق العامة التي اتخذت شكل خدمات أو فروع شركات إسبانية كانت تقوم بدراسة ميدانية لمنطقة الريف الشرقي أملا في استغلال ثرواته و خيراته وبغية توفير خدمات التزود بالمياه عمدت إسبانيا إلى استغلال مكثف لمياه "واد غيس" و العيون المائية المنتشرة بالقرب من الحسيمة أهمها "تلا يوسف" و تم ربط المدينة بمسالك استخدمت في تنقل عربات الجنود و الآليات لتتحول إلى منافذ رئيسية في اتجاه تطوان و تركيست و كتامة، فيما ظل الريفيون متحفظون إزاء الاستقرار بالمدينة التي كانت تثير إلى حد بعيد حساسيتهم لكونها مركز القيادة العسكرية بالمنطقة وهو ما دفع إسبانيا إلى محاولة نشر شعارات زائفة تدعو إلى التعايش و المصلحة المشتركة أو الاستغلال المشتركن أساليب وإن نجحت في استقطاب بعض أعيان المنطقة فقد ولدت تعنتا كبيرا و رفضا لكل تقارب عند جل القبائل التي خبرت تفكير الإدارة العسكرية و حيلها لبلوغ الأهداف بشتى الطرق.
تطلع و استشراف للمستقبل
الوجه القديم للحسيمة ولى و انقضى و حل محله وجه آخر بمقاييس أخرى شجعت أبناء المنطقة على المساهمة في رفع رهان التنمية، فالحسيمة أضحت إحدى القبلات السياحية على المتوسط بشواطئها التي تفوق الأربعة عشر أبرزها "كيمادو" و "كالابونيطا" و "تمشضين" و "أزضي" و "رمود" و "تارا يوسف" و "كلايريس" و "سواني" و "صفيحة" و "أسري" و "بوسكور" ناهيك عن موقعها المرتفع والقريب إلى مرتفعات الريف و غاباته، من مطار الشريف الإدريسي أو المحطة البحرية للمسافرين يتقاطر آلاف من أبناء المنطقة لتتحول مع كل موسم عودة الجالية المغربية المقيمة بالخارج إلى مدينة مكتظة، رغم صغرها تأبى إلا أن تسع الجميع و تصنع فرحة التئام شمل الأسرة بأبناءها القاطنين بدول أوربية كهولندا و ألمانيا و إسبانيا، هذه الجالية التي أبانت عن مواطنة منتجة و روح تضامنية في فترة عصيبة حينما ضرب الزلزال المنطقة قبل خمس سنوات عبر انخراط كلي في محو الصفحة ونكباتها سلوك يؤكد أن للمنطقة رجالاتها دوما من أنوال إلى اليوم.
إنجاز : خالد بنحمان / جريدة العلم
موقع العروي






قال الله تعالى : " مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
Arouit.Com ne peut en aucun cas etre tenu pour responsable du contenu des commentaires.



del.icio.us
Digg
Technorati
التعليقات (1 تعليقات سابقة):
i mis you hoceima.....
أضف تعليقك