مناجم أوكسان الكنز الذي أسال لعاب إسبانيا
مناجم أوكسان بعد الاستقلال وبداية مرحلة التأميم
مثلت السنوات الأولى لما بعد الاستقلال فترة تفكير عميق للدولة المغربية في تعاملها مع إرث استعماري كان همه الاستغلال بأي طريقة لأنه كان يعلم أن مصيره سينتهي لا محالة بالانسحاب و العودة من حيث أتى، لهذا شرع المغربفي عملية تأميم الشركة بعد الاستقلال بثلاث سنوات عبر تدخل مكتب الأبحاث و المساهمات المعدنية الذي ساهم بحصة22.66% وبعد ثمانية سنوات ارتأت الدولة استرجاع ما تبقى من أسهم الشركة الاسبانية و مجمل المنشئات وأسست لهذا الغرض شركة جديدة تحت إسم" شركة مناجم سيف الريف بتاريخ 30 نونبر 1967 . هذا الاهتمام الكبير بمغربة الشركة كان وراءه مردودية المناجم و جودة الحديد الذي كانت تصدر كمياته إلى الخارج. فحسب نتائج الاختبارات التي أجريت على حديد أوكسان فإنه يحتوي على مكونات اعتبرت ضرورية لقياس جودة المعدن وهو ما شجع المغرب على مضاعفة استثماراته في القطاع من خلال برمجة إنشاء مشروع مركب الصلب و الحديد بسلوان شرق أوكسان و معمل تكرير الحديد وتحويله إلى كريات بسوطولازار مشاريع تضمنها المخطط الخماسي 1968/1972 الهادف إلى تقوية القدرات الانتاجية للصناعة بالمغرب إذ تجدر الاشارة هنا إلى أن معمل التكرير هذا صنف في تلك الفترة الأول إفريقيا و رابعا على المستوى العالمي بعد منشئات أخرى مماثلة تتواجد في كل من أمريكا و كندا و السويد وقد كان يضم فرنين كبيرين للتذويب تم بناءهما سنة 1973 بالاضافة إلى أفران صغيرة وصل عددها إلى 28 تنتشر بين مرتفعات بني بويفرور بأوكسان و لعسارة و سوطولازار و بالقرب منها تتواجد صهاريح مخصصة لغسل الحديد المستخرج خاصة بأفرا وأخرى بأطاليون على ضفاف مارتشيكا.
مناجم أوكسان عاشت مراحل هامة جعلت منها قطب الرحى لحياة ساكنة تجاوزت 1700 أسرة و منزل ، معظم أهل المنطقة ارتبط عملهم بهذه الابار و الأنفاق تحت الأرض لاستخراج معدن الحديد فهي المهنة التي زاولها الأبناء بعد الاباء و الأجداد لكن في ظروف أحسن، بينما لم يكن يتقاضى أباءهم سوى بسيطات قليلة في ظروف قاسية جدا كلها إهانة و ترهيب لخدمة مشروع إقتصادي كبير أسال لعاب قوى كبرى فكان حظ إسبانيا الأوفر في الاستحواذ على خيرات المنطقة

نهاية حزينة و تردي الأوضاع الاجتماعية للسكان
واقع حال أوكسان لا يفرح أحدا سواءا من دخلها أو خرج منها فقط الأطلال و المتلاشيات تحكي قصة مناجم طالها النسيان و خربتها أيادي يحملها ساكنة المنطقة كل المسؤولية في إغلاق أحد الأقطاب الصناعية بالمغرب الشرقي، فأصابع الاتهام موجهة بالدرجة الأولى إلى ثلة من الأطر السابقة والتي عرفت كيف تغتني على حساب معاناة العمال دون مراعاة لوضعيتهم الصعبة التي جمعت بين صعوبة متطلبات العيش و مرض السيليكوز وآفة البطال "ما يحز في النفس أن تجد أحد أبناء المنطقة يهلل بالمستقبل الزاهر للمنجم فتراه أول من دفع في اتجاه الوضعية الحزينة التي آل إليها العمال ، مؤسف جدا أن ترى منشأة صناعية و منجمية و آليات باهضة الثمن تتآكل تحت أشعة الشمس و الرطوبة بسبب قرارات و مصالح شخصية أفضت إلى غنى طرف على حساب الكثير" يقول أحد العمال و العارفين بخبايا نهاية منجم أوكسان.
فبالنظر إلى أهمية معدن الحديد و مكانته كمنتوج لتطوير الصناعة و الحصول على العملة الصعبة وظفت ميزانيات كبيرة لتطوير الإنتاج و تحسين المردودية التي اعتبر العنصر البشري عمودها الفقري فقد كانت مناجم أوكسان عبارة عن فضاء صناعي يأوي أجود الأطر المغربية في الصناعة المعدنية و الذين أبعدوا بطريقة أو بأخرى و مورست عليهم كافة أشكال التضييق التي كان من وراءها شخص معروف من أهل المنطقة عرف كيف يراكم الثروة و يزاوج بين اهتمامات مختلفة منحته مواقع سياسية لعقود بمعية آخرين استثمروا في قطاعات أخرى و أنشأوا مقاولات تجارية في مدن مغربية مختلفة بل منهم من فضل الاستثمار ما وراء البحر في مدن جنوب إسبانيا. ويتضح لزائر مناجم أوكسان بجلاء أن كل الفضاءات و المرافق الاجتماعية التي كانت نموذجية و بمقاييس عالمية أصبحت خرابا و قطعا من الماضي بل إن منشئات و آليات تم تفكيكها و بيعها في سوق الخوردة التي هي أيضا محط تشكيك من لدن العارفين بواقع أحد أبرز مناجم الحديد بإفريقيا،" لقد بيعت آليات و عربات و محركات صالحة للإستعمال وكأنها خوردة. هل يعقل أن يعاد تشغيل خوردة في دول تمتلك ما يكفي من الوسائل والتقنيات؟ يتساءل أحدهم و الذي أكد للعلم أن قاطرات و عربات تم بيعها للأرجنتين أجزاءا مجزأة و لا تزال تستغل في عمليات شحن ببونيس إيريس." الأمر الذي يطرح العديد من علامات الاستفهام حول من يتحمل مسؤولية إغلاق مناجم أنفقت من أجلها أموال كثيرة بغية تأهيلها للدفع بالصناعة الوطنية و كيف تم تفعيل قرار بدون دراسة قبلية و علمية تؤكد نفاذ معدن الحديد أو الرصاص؟.
جل العمال الذين تم تسريحهم انتهى بهم المسار إلى حافة الفقر و البطالة حيث ظلت التعويضات هزيلة و المعاناة كبيرة بينما استطاع البعض الحصول على فرص عمل أخرى سواء بالمناطق المجاورة أو عبور البحر في اتجاه إسبانيا التي استقبلت حينها أفواجا من العمال ذوي الخبرة راكموها طيلة سنوات بمرتفعات بني بويفرور المنجمية.
بين قطار الأمس و قطار اليوم
قطار الأمس توقف صوت محركه و الذي ظل يؤثث طول الطريق من أزغنغان حتى بني أنصار لكن قطارا آخر و سكة أخرى أنشئت مقاطع منها على أنقاض الأولى على طول المسار من أفرا و إحدادن لعلها تذكرنا بلحظات صفيرة القطار المحمل بالحديد و المتوجه إلى ميناء بني أنصار.فقطار المسافرين و ربط الناظور بالشبكة الوطنية و إن حمل معه علامات خير و تفاؤل نحو المستقبل يستوجب وضع النقط على الحروف و الكشف عن حقيقة لا زالت تؤرق بال أهل المنطقة خاصة ساكنة أوكسان و ما جاورها للإجابة على سؤال وحيد هل يمكن بعث الحياة في هذه المناجم و تحديد أسباب و ملابسات نهاية منجم حشدت له إسبانيا كل ما تملكه من قوة العسكر و الخبراء؟.
ربما يأتي يوم و ينجلي الغموض حول هذا الملف الذي تم إقباره بطريقة شجعت أبناء المنطقة و الباحثين للتكثل في فريق للبحث في شكل مركز يتوخى التدقيق في حيثيات الملف و إنجاز دراسات علمية والتفكير في مشاريع تهيئةالمنطقة التي تركت على حالها دون التفاتة تعيد لها الاعتبار و‘حياء أمجاد غابت إلى غير رجعة.
Arouit.Com ne peut en aucun cas etre tenu pour responsable du contenu des commentaires.



التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك